المامقاني
300
غاية الآمال ( ط . ق )
إذا المراد بالمثل لغة المماثل فإن أريد من جميع الجهات فغير منعكس وان أريد من بعضها فغير مطرد وليس في النصوص حكم يتعلق بهذا العنوان حتى يبحث عنه نعم وقع هذا العنوان في معقد إجماعهم على أن المثلي يضمن بالمثل وغيره بالقيمة ومن المعلوم انه لا يجوز الانكال في تعيين معقد الإجماع على قول بعض المجمعين مع مخالفة الباقين و ( حينئذ ) فينبغي ان يقال كلَّما كان مثليا باتفاق المجمعين فلا إشكال في ضمانه بالمثل ( انتهى ) هذا الكلام مبنى على أمرين أحدهما ان ( المصنف ) ( رحمه الله ) بنى على أن الاختلاف في التعاريف معنوي لا في مجرد التعبير ورأى أن مقتضياتها مختلفة فقد تجتمع في مورد وقد تفترق في مورد أخر وثانيهما انه وجد جملة من الموارد قد وقع الخلاف فيها بخصوصها فمنهم من صرّح بكونها مثلية ومنهم من صرّح بكونها قيمية فحيث رأى هذين الأمرين حكم بان ما اتفق المجمعون على ضمان المثلي بمثله وضمان القيمي بقيمته على كونه مثليا أو على كونه قيميّا يترتب عليه حكمه وان ما اختلفوا فيه لا بد فيه من الرجوع إلى الأصل ولذلك تصدى أولا لتوضيح الكلام في الأمرين المذكورين ثم تعرض لتأسيس الأصل ( صح ) حتى يرجع إليه عند الشك وقد سبقه إلى نظير ذلك صاحب الرياض ( رحمه الله ) وان كان مسلكه عند الشك هو الاحتياط بالرجوع إلى الصّلح والتراضي عند إمكانه وترجيح مختار الأكثر بالشهرة قال ( رحمه الله ) بعد ذكر جملة من تعريفات المثلي ما لفظه ولا يذهب عليك عدم ظهور حجة لهذه التعريفات عدا العرف واللغة وهما بعد تسليم دلالتهما على تعيين معنى المثل المطلق وترجيحهما أحد الآراء لا دلالة لهما إذ هي فرع تعليق الحكم بلفظ المثل في دليل وليس بموجود عدا قوله ( تعالى ) : « فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » وفيه نظر لاحتمال كون المراد بالمثل فيه مثل أصل الاعتداء لا مثل المعتدى فيه الذي هو ما نحن فيه فتأمل هذا مع أنه لم يظهر حجة على أصل اعتبار المثل في المثلي والقيمة في القيمي عدا الإجماع والاعتبار وليس فيهما ما يرجح أحد التعريفات فليرجع في خصوص الافراد إلى ما اجمع على كونه مثليا أو قيميا ولا اشكال فيما ظهر فيه ويشكل الأمر فيما عداه وينبغي الاحتياط في مثله بالرجوع إلى الصّلح والتراضي إن أمكن والا فلا يبعد ترجيح مختار الأكثر لرجحانه بالشهرة ولولاها لكان العمل بالتخيير بين الآراء متجها كما هو الحال في ترجيح الأقوال المختلفة التي لا مرجح لأحدها على الأخر من الأدلة هذا كلامه ( رحمه الله ) ويتجه على الأمر الأول ما عرفت من أن لفظ المثلي من جملة الألفاظ العرفية التي يلزم الرجوع في استفادة مفهومها إلى العرف ولم يثبت لهم اصطلاح خاص فيه لما تقدم والمنساق والمتبادر منه ما عرفت من المساوي في جميع الأوصاف التي لها مدخل في مالية الشيء وان التعاريف ليست ناظرة الَّا إلى بيان معنى واحد هو المتبادر وان الاختلاف في عبارات التعاريف انما نشأ من تعريفهم لذلك المعنى الواحد باللَّازم ويشهد بما ذكرناه ما عرفت من ظهور عبارة ( المسالك ) في ذلك وانه لا وجه لجعل كل من أهل الصّناعة اصطلاحا برأسه خصوصا مع ما عرفت من أن منهم من عرفه بشيء من التعاريف في كتاب وبآخر في كتاب أخر فحصل من ذلك ان ليس المجمعون مختلفين في مفهومه وان ما يظهر من التذكرة من كون الاختلاف بحسب المعنى فذلك انما هو بالنظر إلى كلمات العامة دون أصحابنا الذين أخذوا لفظ المثلي في معقد إجماعهم ويتجه على الأمر الثاني ان ذلك من باب اختلاف المجمعين في اندراج بعض المصاديق تحت العنوان الذي أو خلف ؟ في معقد إجماعهم مما هو من قبيل المبين مفهوما وذلك لا يورث الخلاف في نفس العنوان الذي أجمعوا على حكمه فلا ضير في ذلك هذا واما ما ذكره صاحب الرياض ( رحمه الله ) من ترجيح مختار الأكثر بالشهرة فلا يخفى ما فيه لأن الشهرة إنما تصلح مرجحة للخبرين المتعارضين لا الفتويين المجردتين عن الدليل حتى على القول باعتبار مطلق الظن لأنها ( حينئذ ) تصير بنفسها من قبيل الأدلة دون المراجحات الا ان يريد بمرجح أحد الأقوال ذلك بان يجعلها مستندا له فيبقى الأخر خاليا عن المدرك ( الدليل ) ويطلق عليه اسم المرجح بهذا الاعتبار قوله فلا بد من ملاحظة ان الأصل الذي يرجع إليه عند الشك هو الضمان بالمثل أو بالقيمة أو تخيير المالك أو الضامن بين المثل والقيمة ولا يعبد ان يقال إن الأصل هو تخيير الضامن ( انتهى ) هذا الكلام إشارة إلى تأسيس الأصل وتوضيح المقام انه قد يقال إنه إذا فرض أصل المسئلة من قبيل ما شك فيه من جهة ان المأمور به بعد وجوب دفع البدل هو ما ساوى المبدل منه في الأوصاف المعتبرة عند العقلاء في مقدار ماليته وقيمته وساواه ( أيضا ) في الخواص وفي رغبة الناس إليه ويعبر عن هذا بالمثل أو هو ما ساواه في مجرد مقدار المالية فيكون عبارة عن القيمة أو فرض الشك في بعض الافراد من حيث كونه مثليا أو قيميا مع العلم بكون بعضها قيميا وبعضها مثليا كان المقام من قبيل ما دار الأمر فيه بين الأقل والأكثر لما عرفت من كيفية الشك والدوران بين طرفيه فيكون المرجع هو أصل البراءة فيكتفى بالأقل وهو مجرد المساوي في مقدار المالية وهو القيمة فتكون هي الموافقة للأصل هذا ولكنه يندفع بما حقق في محلَّه من أن المناط في الحكم بالبراءة والاشتغال انما هو إحراز عنوان المأمور به وعدمه فإن لم يتحقق إحرازه كان الحكم هي البراءة وان تحقق إحرازه كان الحكم هو الاشتغال حتى لو كان المورد من قبيل الأقل والأكثر المتصورين فيما نحن فيه وقد تحقق إحراز العنوان هيهنا لأنه قد اشتغلت ذمته بالمال الذي أتلفه وقد وقع الشك في بدلية القيمة عنه حتى تسقطه فتبرء ذمته والأصل عدم قيامه مقامه وبدليته عنه وكل مورد رجع الشك إلى البدلية بعد ثبوت الاشتغال بالأصل صحّ رفع البدلية بأصالة عدمها وهي أصل موضوعي يترتب عليه الحكم فيترتب عليه بقاء التكليف بأصل المأمور به وهذا بحسب التدقيق والتحقيق من كون العبرة بالأصل الموضوعي فيما لو دار الأمر بينه وبين الأصل الحكمي وان شئت الجريان على مقتضى الظاهر وترك التعمق والتدقيق قلت إن أصل الاشتغال والاستصحاب عدم سقوط التكليف بأصل المال الذي أتلفه جاريان في المقام فلا يكون مقتضى الأصل هي البراءة وانما يكون مقتضاه هو الاشتغال ويلزمه كون ضمان القيمة هو مقتضى الأصل دون ضمان المثل ثم إن هذا كله انما هو بحسب النظر الجليل واما ما يقتضيه التحقق ويرتضيه النظر الدقيق فهو ان يقال إن هذا المقام ليس من موارد البراءة والاشتغال بأن يكون حد الأمرين موافقا للبراءة والأخر موافقا للاشتغال لكون المقام من قبيل ما دار الأمر فيه بين المتباينين وذلك لأنه لو كان كيفية وقوع الشك في المقام هي الشك في أن